حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
365
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
عديم النظير في فن من الفنون ، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته ، فإن الكمال محبوب لذاته وضد المحبوب مكروه . ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال لكن هذا يمتنع حصوله إلا للّه تعالى ، ومن طمع في المحال خاب وخسر . وسابعها : شح النفس بالخير على عباد الله ، فإنك تجد من لا يشتغل برئاسة ولا تكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك ، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم فرح به ، فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة اللّه على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه ، وهذا ليس له سبب ظاهر سوى خبث النفس كما قيل : البخيل من بخل بمال غيره . وقد يجتمع بعض هذه الأسباب فيعظم الحسد ويتقوى بحسبه ، وقلما يقع التحاسد إلا في الأمور الدنيوية ، لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين . وأما الآخرة فلا ضيق فيها فلهذا لا يكون تحاسد بين أرباب الدين وأصحاب اليقين ، وإنما يكونون بلقاء إخوانهم مستأنسين وببقاء أقرانهم فرحين وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [ الحجر : 47 ] وأما علاج الحسد فأمران : العلم والعمل . أما العلم ففيه مقامان : إجمالي وهو أن يعلم أن الكل بقضاء اللّه وقدره ، وأن ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ، لا يرده كراهية كاره ولا يجره إرادة مريد . وتفصيلي وهو العلم بأن الحسد قذى في عين الإيمان حيث كره حكم اللّه وقسمته في عباده وغش للإخوان ، وعذاب أليم ، وحزن مقيم ، ومورث للوسواس ، ومكدر للحواس . ولا ضرر على المحسود في دنياه لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك ، ولا في دينه بل ينتفع به لأنه مظلوم من جهتك فيثيبه اللّه على ذلك . وقد ينتفع في دنياه أيضا من جهة أنك عدوه ، ولا يزال يزيد غمومك وأحزانك إلى أن بقضي بك إلى الدنف والتلف . اصبر على مضض الحسو * د فإن صبرك قاتله النار تأكل نفسها * إن لم تجد ما تأكله وقد يستدل بحسد الحاسد على كونه مخصوصا من اللّه تعالى بمزيد الفضائل . لا مات أعداؤك بل خلدوا * حتى يروا منك الذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة * فإنما الكامل من يحسد والحاسد مذموم بين الخلق ، ملعون عند الخالق ، مشكور عند إبليس وأصدقائه ، مدحور عند الخالق وأوليائه ، فهل هو إلا كمن رمى حجرا إلى عدو ليصيب به مقتله فلا يصيبه بل يرجع على حدقته اليمنى فيقلعها ، فيزداد غضبه فيعود ثانيا فيرميه أشد من الأول